عبد الله بن محمد البطليوسي

471

الإقتضاب في شرح أدب الكتاب

وسبل : فرس عتيق ، تنسب إليه الخيل العتاق ، كما تنسب إلى الوجيه ولاحق . وكان سبل لغني ، وقيل لبني جعدة « 1 » . وقد ذكره النابغة الجعدي في قوله « 2 » : [ من الرمل ] وعناجيج جياد نجب * نجل فياض ومن آل سبل « 3 » والضمير في قوله : جادوا يرجع إلى أرباب الخيل المتسابقين . أراد : إن جاء أصحاب الخيل بجري يشبه الدّيمة ، جاء هذا الفرس بجري يشبه الجود ، وإن جاءوا بجري يشبه الجود ، جاء بجري يشبه الوابل . والدّيمة : مطر يدوم في سكون ، فإذا زاد وقوي وقعه ؛ قيل له جود ، فإذا أفرط وعظم قطره ؛ قيل له وابل . وفي قوله : ديموا شذوذ وخروج عن النظائر « 4 » ، وذلك أن الدّيمة أصل الياء فيها واو ، لأنها مشتقة من الدوام ، ولكن الواو لما سكنت وانكسر ما قبلها قلبت ياء ، فكان ينبغي حين ذهبت الكسرة الموجبة لانقلاب الواو ؛ أن ترجع إلى أصلها ، فيقول : « دوّموا » ، كما أن من قال : قيل إذا بني منه فعّل قال : قوّل ، ولكن هذا من البدل الذي يلتزمونه . مع

--> ( 1 ) في كتاب « الحلبة في أسماء الخيل » ص 91 : ( سبل : فرس أنثى ، هي أم أعوج ، وأمها سوادة بنت سوار بن القسامي كانت لغنيّ ، هذا قول الأصمعي . وقيل : كانت لبني جعدة ، وذكرها النابغة الجعدي ) ثم أنشد هذا البيت . ( 2 ) ديوان النابغة الجعدي ص 87 ، واللسان 7 / 213 ( فيض ) ، والتاج 18 / 500 ( فيض ) ، ( سبل ) . ( 3 ) العناجيج : جمع عنجوج ، وهو الرائع من الخيل . فياض : اسم فرس لبني جعدة . ( 4 ) فصل ابن جني القول في هذا تفصيلا وافيا في كتابه الخصائص 1 / 355 - 356 ، باب في تدريج اللغة ، فقال : ( ومن التدريج في اللغة قولهم : ديمة وديم ، واستمرار القلب في العين للكسرة قبلها ، ثم تجاوزوا ذلك لما كثر وشاع ؛ إلى أن قالوا : ديمت السماء ودومت . وأما ديمة فلاستمرار القلب في ديمة وديم . انشد أبو زيد : « هو الجواد . . . البيت » . ورواه أيضا : « إن ديموا » بالياء . نعم ، ثم قالوا : دامت السماء تديم ، فظاهر هذا أنه أجري مجرى باع يبيع وإن كان من الواو . فإن قلت : فلعله فعل يفعل من الواو ، كما ذهب الخليل في طاح يطيح ، وتاه يتيه ، قيل : حمله على الإبدال أقوى . ألا ترى أنه قد حكي في مصدره ديما ، فهذا مجتذب إلى الياء ، مدرّج إليها ، مأخوذ به نحوها . فإن قلت : فلعل الياء لغة في هذا الأصل كالواو ، بمنزلة ضاره يضيره ضيرا ، وضاره يضوره ضورا ، قيل : يبعد ذلك هنا ؛ ألا ترى إلى اجتماع الكافة على قولهم : الدوام ، وليس أحد يقول : الديام . فعلمت بذلك أن العارض في هذا الموضع إنما هو من جهة الصنعة ، لا من جهة اللغة .